Thursday 29th of October 2020

الاقتصاد وعلاقته بالفطرة مقاربة شرعية ..مذكرات في زمن الكورونا

د.عبدالمجيد العمري

الجنين يخرج من بطن أمه سوى الأعضاء والمشاعر، فعملية التلاقح وعناية الرحم بالجنين وتغذيته، تجري كما أراده الله، فحين يولد الجنين ناقص أو مشوه فهذا خارج عن الفطرة، لوجود خلل ما،  ولذا جاء النص النبوي في بيان ذلك ( ما من مولود إلا يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ، هل تحسون فيها من جدعاء ؟ ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم : فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله) 

وهكذا في النبات المفترض أن تجنى الثمار وهي نقية، وكل عيب يعتريها من فساد فهو شذوذ ينبغي أن يطهر وينقى. فالفطرة جريان كل شيء على طبيعته، مثل النحل التي فطرت على جني الثمار لتصنع العسل، والنمل الذي فطر على الكد والتنظيم والعمل، والشمس التي فطرت على الظهور والإشعاع وملأ الدنيا نورا، قول الله تعالى : ( وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار ) سورة إبراهيم (33)

إن دعاة الربا والميسر، ورعاة الرأسمالية الجديدة، هم كالثمار المعطوبة في عالم النبات، والأجنة الشائهة في عالم الحيوان، وذلك لعطب أفكارهم، وتأثيرها المسموم على الطبيعة الحية في عالم يسعى للحرية، قيد بأغلال الديون والربا.

خلق الله الإنسان من هذه الطبيعة، وفي هذه الطبيعة، وخلق بداخله خلايا تجوع وتفتقر للأكل، وغرائز تحتاج للإشباع، فنحن من الطبيعة وإليها، ونفتقر لما فيها، وسنعود إليها، ( ألم نجعل الأرض كفاتا ( 25 ) أحياء ‎وأمواتا ( 26 )  المرسلات.

فحركة الإنسان وكده في الأرض فطري ومتناسق مع خصوصيته وخصوصيتها، وهذا يتناسب مع وصف الإنسان بالــ"كبد"  قال تعالى ( لقد خلقنا الإنسان في كبد) ويتناغم مع المصطلحات العملية لحركة التفاعل البشري ( الضرب في الأرض) ومصطلح ( السعي في الأرض) والمغادرة والهجرة حين تصبح الحياة شاقة ( ... قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا...) النساء (97).

خاصية الاحتياج والتملك خاصيتان فطريتان، وحتى يتم اشباع هاتين الخاصيتين ابتكر الإنسان جملة من التبادلات بداية بالمقايضة، ثم البيع، ثم استخدام النقد كوسيط تبادلي، وشرعت جملة من العقود التي تتناسب مع الفطرة، فالأصل في مشروعية كثير من العقود المالية التخفيف الذي يتناسب مع ضعف الإنسان وحاجته، فالقرض، والإعارة، والإجارة، شرع لأباحة الانتفاع بملك الغير، وذلك حاجة عامة للناس، وشرعت الوكالة، والإيداع الشركة، والمضاربة والمساقاة لاستعانة الإنسان بغيره، وشرعت الحوالة لتمكين الدائن من استيفاء دينه من غير المديون بطريق الحوالة، وأصل الفقهاء قاعدة : "الأصل في المعاوضات والمقابلات هو التعادل بين الجانبين"  وهذه المعاني تنطلق من التيسير الرباني:" يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" البقرة (185).

ولأجل ضمان وسلاسة الانتفاع المتبادل، وضعت الشريعة الرضا عنوان التبادل، والبيان لنوعي البدلين شرط في البيع، ومنعت الشريعة كل وسيلة تخفي الحقيقة، مثل الغرر والجهالة وبيع مالا تملك، وبيع ما ليس عندك، فالحقيقة هي الفطرة، ولذا وقف النبي صلى الله عليه وسلم في السوق فقال :" ما هذا  يا صاحب الطعام؟..... من غش فليس منا..".

"استفت قلبك" نص نبوي جواب لأعرابي أشكلت عليه بعض الاعمال، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم قلب  الأعرابي مرجعا لمعرفة الحق ، لكنه قلب سليم معافى، فما صنعته الرأسمالية من أنظمة مالية، سواء في النقد، أو في التبادل لا يتفق مع الفطرة، ولا يتناسب مع نواميس التبادل البشري القائم على العرض والطب، والوفرة والندرة، وسعر السوق.

لقد ظهر من يدعو إلى التعري ويسمي ذلك حرية شخصية، ومن يقنن للإجهاض ويسمي ذلك حفاظا على الأٍسرة، ورأينا من يدافع عن الشواذ بحجة الحرية في اختراع علاقة جديدة، وأليوم هناك من يطالب بإعادة تعريف الأخلاق والقيم، وذلك أن الفطر تلوثت، والعقول تسممت.

  كما رأينا من ينظر للربا والميسر والإحتكار كجزء من الاقتصاد، ونوع من الذكاء في كسب الأرباح، ولعمري ما هؤلاء إلا أدوات إبليس في تغيير خلق الله، ( وَلأُمَنِيَنَّهُم وَلآمُرَنٌّهُم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنعَامِ وَلآمُرَنَّهُم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلقَ اللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيطَانَ وَلِياًّ مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَد خَسِرَ خُسرَاناً مٌّبِيناً * يَعِدُهُم وَيُمَنِّيهِم وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيطَانُ إِلاَّ غُرُوراً) (سورة النساء 119-120).

اعتمدت الشريعة العرف كمصدر للتشريع، ومرجع للاختلاف، واعتمدت إجماع الناس كحجة ، ( فما رآه المسلمون حسن فهو حسن) هذا على مستوى التشريع، واعتمدت مذاق الناس وميولهم في المأكل والمشرب، ، فتحدث القرأن عن مصطلح الطيبات والخبائث، ولم يفصل في بيان ماهيته وذلك أن الناس تعرف ما يضر وما ينفع، وما هو طيب وما هو خبيث بالفطرة.

فالطيب والخبيث، والحق والباطل، والظلمات والنور، مصطلحات قرأنية أصيلة تدل على الفطرة، والرذائل والخبائث سواء في العملية العقدية ، أم في ذات المعقود إنما حرمها الله لكونها تكسف العقول، وتسقط الضمائر، وتشيع المظالم بينهم وتخرجهم عن إنسانيتهم، وتلبسهم ثياب الوحشية( يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ۗ..) الأعرف (27)

السياحة في تركيا

الاقتصاد وعلاقته بالفطرة مقاربة شرعية ..مذكرات في زمن الكورونا

د.عبدالمجيد العمري

الجنين يخرج من بطن أمه سوى الأعضاء والمشاعر، فعملية التلاقح وعناية الرحم بالجنين وتغذيته، تجري كما أراده الله، فحين يولد الجنين ناقص أو مشوه فهذا خارج عن الفطرة، لوجود خلل ما،  ولذا جاء النص النبوي في بيان ذلك ( ما من مولود إلا يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ، هل تحسون فيها من جدعاء ؟ ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم : فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله) 

وهكذا في النبات المفترض أن تجنى الثمار وهي نقية، وكل عيب يعتريها من فساد فهو شذوذ ينبغي أن يطهر وينقى. فالفطرة جريان كل شيء على طبيعته، مثل النحل التي فطرت على جني الثمار لتصنع العسل، والنمل الذي فطر على الكد والتنظيم والعمل، والشمس التي فطرت على الظهور والإشعاع وملأ الدنيا نورا، قول الله تعالى : ( وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار ) سورة إبراهيم (33)

إن دعاة الربا والميسر، ورعاة الرأسمالية الجديدة، هم كالثمار المعطوبة في عالم النبات، والأجنة الشائهة في عالم الحيوان، وذلك لعطب أفكارهم، وتأثيرها المسموم على الطبيعة الحية في عالم يسعى للحرية، قيد بأغلال الديون والربا.

خلق الله الإنسان من هذه الطبيعة، وفي هذه الطبيعة، وخلق بداخله خلايا تجوع وتفتقر للأكل، وغرائز تحتاج للإشباع، فنحن من الطبيعة وإليها، ونفتقر لما فيها، وسنعود إليها، ( ألم نجعل الأرض كفاتا ( 25 ) أحياء ‎وأمواتا ( 26 )  المرسلات.

فحركة الإنسان وكده في الأرض فطري ومتناسق مع خصوصيته وخصوصيتها، وهذا يتناسب مع وصف الإنسان بالــ"كبد"  قال تعالى ( لقد خلقنا الإنسان في كبد) ويتناغم مع المصطلحات العملية لحركة التفاعل البشري ( الضرب في الأرض) ومصطلح ( السعي في الأرض) والمغادرة والهجرة حين تصبح الحياة شاقة ( ... قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا...) النساء (97).

خاصية الاحتياج والتملك خاصيتان فطريتان، وحتى يتم اشباع هاتين الخاصيتين ابتكر الإنسان جملة من التبادلات بداية بالمقايضة، ثم البيع، ثم استخدام النقد كوسيط تبادلي، وشرعت جملة من العقود التي تتناسب مع الفطرة، فالأصل في مشروعية كثير من العقود المالية التخفيف الذي يتناسب مع ضعف الإنسان وحاجته، فالقرض، والإعارة، والإجارة، شرع لأباحة الانتفاع بملك الغير، وذلك حاجة عامة للناس، وشرعت الوكالة، والإيداع الشركة، والمضاربة والمساقاة لاستعانة الإنسان بغيره، وشرعت الحوالة لتمكين الدائن من استيفاء دينه من غير المديون بطريق الحوالة، وأصل الفقهاء قاعدة : "الأصل في المعاوضات والمقابلات هو التعادل بين الجانبين"  وهذه المعاني تنطلق من التيسير الرباني:" يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" البقرة (185).

ولأجل ضمان وسلاسة الانتفاع المتبادل، وضعت الشريعة الرضا عنوان التبادل، والبيان لنوعي البدلين شرط في البيع، ومنعت الشريعة كل وسيلة تخفي الحقيقة، مثل الغرر والجهالة وبيع مالا تملك، وبيع ما ليس عندك، فالحقيقة هي الفطرة، ولذا وقف النبي صلى الله عليه وسلم في السوق فقال :" ما هذا  يا صاحب الطعام؟..... من غش فليس منا..".

"استفت قلبك" نص نبوي جواب لأعرابي أشكلت عليه بعض الاعمال، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم قلب  الأعرابي مرجعا لمعرفة الحق ، لكنه قلب سليم معافى، فما صنعته الرأسمالية من أنظمة مالية، سواء في النقد، أو في التبادل لا يتفق مع الفطرة، ولا يتناسب مع نواميس التبادل البشري القائم على العرض والطب، والوفرة والندرة، وسعر السوق.

لقد ظهر من يدعو إلى التعري ويسمي ذلك حرية شخصية، ومن يقنن للإجهاض ويسمي ذلك حفاظا على الأٍسرة، ورأينا من يدافع عن الشواذ بحجة الحرية في اختراع علاقة جديدة، وأليوم هناك من يطالب بإعادة تعريف الأخلاق والقيم، وذلك أن الفطر تلوثت، والعقول تسممت.

  كما رأينا من ينظر للربا والميسر والإحتكار كجزء من الاقتصاد، ونوع من الذكاء في كسب الأرباح، ولعمري ما هؤلاء إلا أدوات إبليس في تغيير خلق الله، ( وَلأُمَنِيَنَّهُم وَلآمُرَنٌّهُم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنعَامِ وَلآمُرَنَّهُم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلقَ اللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيطَانَ وَلِياًّ مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَد خَسِرَ خُسرَاناً مٌّبِيناً * يَعِدُهُم وَيُمَنِّيهِم وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيطَانُ إِلاَّ غُرُوراً) (سورة النساء 119-120).

اعتمدت الشريعة العرف كمصدر للتشريع، ومرجع للاختلاف، واعتمدت إجماع الناس كحجة ، ( فما رآه المسلمون حسن فهو حسن) هذا على مستوى التشريع، واعتمدت مذاق الناس وميولهم في المأكل والمشرب، ، فتحدث القرأن عن مصطلح الطيبات والخبائث، ولم يفصل في بيان ماهيته وذلك أن الناس تعرف ما يضر وما ينفع، وما هو طيب وما هو خبيث بالفطرة.

فالطيب والخبيث، والحق والباطل، والظلمات والنور، مصطلحات قرأنية أصيلة تدل على الفطرة، والرذائل والخبائث سواء في العملية العقدية ، أم في ذات المعقود إنما حرمها الله لكونها تكسف العقول، وتسقط الضمائر، وتشيع المظالم بينهم وتخرجهم عن إنسانيتهم، وتلبسهم ثياب الوحشية( يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ۗ..) الأعرف (27)