Tuesday 19th of January 2021

ما الذّي يُقوّض إرساء علاقاتٍ استراتيجيةٍ بين تركيا والجزائر؟

أشرتُ في لقاءات سابقة في عُجالةٍ لطبيعة العلاقات الجزائرية-التركية الراهنة، وذكرتُ بأنّ الأتراك لا يزالون يتعاملون مع الجزائر إلى الآن باعتبارها "ورشةً اقتصاديةً وتجاريةً خصبةً كبيرة"، لا شريكاً إستراتيجياً حيوياً في المنطقة. لقد حاججتُ حينها –ولا أزال- بأنّ الظروف الاقليمية الصعبة التّي تمرّ بها البلدان، فضلاً عن التحوّلات الجيوبوليتيكية الدولية الراهنة تُمثّل فرصةً ثمينةً للارتقاء بهذه العلاقات بين البلدين إلى مصاف الشراكة الاستراتيجية بالفعل، وإذا حدث ذلك، فبإمكان البلدان أن تُغيّرا معاً "الستاتيكو العالق" في العديد من الملّفات المتوترّة لصالحهما بل وإرسال قطبٍ جيوبولتيكيٍ رائدٍ في العالم الإسلامي، قِوامه الجزائر في غربه وتركيا في وسطه (وماليزيا في أقصى الشرق).

علاوةً على ذلك، فقد حاججتُ بأنّ المُخيّلة الجيوبوليتيكية المُتشكَّلة منذُ أمدٍ لدى صنّاع القرار الأتراك ومُدركاتهم الأمنية عن طبيعة النخب الحاكمة في الجزائر قد تُمثّل عائقاً أمام تركيا لتُفكر بثقةٍ في اعتبار الجزائر حليفاً إستراتيجياً محتملاً ومفيداً لمصالحها في غرب المتوسّط، شمال افريقيا والقارة السمراء عموما، حيث ينظر الأتراك لفرنسا وارتباطها مع بعض النخب الحاكمة في الجزائر باعتباره العائق الأساسي الذّي يحول دون تجسيد هكذا علاقات استراتيجية. قد يكون لهذا الأمر شيئٌ من الحقيقة فعلاً، خاصّة في المرحلة التّي سبقت الحراك الجزائري الأخير، إلاّ النظام الجزائري يعرف تغيّراً تدريجياً من الداخل (تحدّثتُ عن طبيعته في مقالات سابقة) وما يحدث اليوم داخل النظام من تغيّرات من شأنه أن يُعبّد الطريق أمام فرصة إرساء كهذا علاقات حيويّة بين البلدان في المستقبل المنظور.

إلاّ أنّ هناك عوائق أخرى لا تقلّ أهميّةً، تُشوّش على هذه الفرصة الثمينة بين البلدين، وتحول دون بناء علاقات ثقة متبادلة بينهما والرقي بها إلى مصاف العلاقات الاستراتيجية فعلاً، وأقصد هنا ما تقوم به بعض المؤسّسات الإعلامية -والبحثية- العربية (المكتوبة والمرئية) التّي تتخّذ من تركيا مقرّاً لها من نشاطاتٍ دعائية، سلبية وعدائية ضدّ الجزائر. لا ندري، هل يُدرك صنّاع القرار الأتراك حقّا طبيعة التأثير الدعائي للمحتوى الذّي تبثّه هذه المؤسّسات الاعلامية وأثره السلبي في تقويض علاقات الثقّة بين البلديْن، الإضرار بالمصالح التركية في غرب المتوسّط، شمال افريقيا وافريقيا-جنوب الصحراء، وكذا الحيلولة دون بناء قطبٍ جيوبولتيكيٍ رائدٍ في العالم الإسلامي يقود قاطرته البلَدَان نظراً لما يحظيان به من مقدرّات قوّةٍ كامنةٍ وضخمة.

تتسبّب مثل هذه المؤسّسات في تقويض صورة تركيا الحسنة في الجزائر، بين نخبها، شعبها وصنّاع القرار فيها، وتنخر بما تقوم به (خدمةً لمصالح أطرافٍ عربيةٍ أخرى أو حتّى أجنداتٍ شخصيةٍ وفئويةٍ ضيّقة) الجهود الحثيثة والموارد الضخمة التّي كرّستها تركيا -ولا تزال- في سبيل انجاح مشاريعها مع الجزائر عبر أدوات القوة الناعمة التّي تُباشرها منذ سنوات.. فقد ينخر محتوى إعلامي عربي مُضلِّل وعدائي بسيط يُبّث من الأراضي التركية سنوات كاملة من جهود وموارد الدولة التركية في بناء علاقات حيويّة مع الجزائر.

لقد وُجدت مثل هذه المؤسّسات الإعلامية في بداية الأمر نظراً لتقاطع المصالح بين تركيا وبعض جيرانها العرب في قضايا الشرق الأوسط المُعقدّة، ولا ندري لما يستغل القائمون العرب على هذه المؤسّسات منصّاتها اليوم للاضرار بالجزائر واستعدائها، وهل يُراعون -حينما يقومون بذلك- المصالح الحيويّة الاستراتيجية لتركيا في شمال افريقيا ومع بلدٍ-قارّة مُؤثّرٍ كالجزائر؟ أم أنّ هناك مصالح شخصية وفئوية ضيّقة تقف وراء ما تقوم به هذه المؤسّسات الإعلامية العربية فيما يتعلّق بالجزائر؟

لذا، حرّيٌّ بالأتراك أن يعيدوا النظر في طريقة تعاملهم مع مثل هذه المؤسّسات العربية التّي أضرّت من قبلُ أصلاً (عبر منصّاتها و"نُخبها") بالكثير من المصالح الحيويّة لتركيا في محيطها الاقليمي، وها هي اليوم تعيد الكَرّة وتتجّه شيئا فشيئاً إلى الاضرار بالمصالح التركية الحيويّة مع الجزائر والحيلولة دون إمكانية الرُقي بالعلاقات التركية-الجزائرية إلى مصاف الشراكة الاستراتيجية وهندسة قطبٍ جيوبولتيكيٍ رائدٍ في العالم الإسلامي من شأنه أن ينقذنا جميعاً من هَوْلِ عاصفة مُتجمّعة في الأفق.

جلال خشِّيبْ، باحث جزائري في حقل الجيوبولتيك والسياسة الدولية مقيمٌ باسطنبول-تركيا
 

السياحة في تركيا

ما الذّي يُقوّض إرساء علاقاتٍ استراتيجيةٍ بين تركيا والجزائر؟

أشرتُ في لقاءات سابقة في عُجالةٍ لطبيعة العلاقات الجزائرية-التركية الراهنة، وذكرتُ بأنّ الأتراك لا يزالون يتعاملون مع الجزائر إلى الآن باعتبارها "ورشةً اقتصاديةً وتجاريةً خصبةً كبيرة"، لا شريكاً إستراتيجياً حيوياً في المنطقة. لقد حاججتُ حينها –ولا أزال- بأنّ الظروف الاقليمية الصعبة التّي تمرّ بها البلدان، فضلاً عن التحوّلات الجيوبوليتيكية الدولية الراهنة تُمثّل فرصةً ثمينةً للارتقاء بهذه العلاقات بين البلدين إلى مصاف الشراكة الاستراتيجية بالفعل، وإذا حدث ذلك، فبإمكان البلدان أن تُغيّرا معاً "الستاتيكو العالق" في العديد من الملّفات المتوترّة لصالحهما بل وإرسال قطبٍ جيوبولتيكيٍ رائدٍ في العالم الإسلامي، قِوامه الجزائر في غربه وتركيا في وسطه (وماليزيا في أقصى الشرق).

علاوةً على ذلك، فقد حاججتُ بأنّ المُخيّلة الجيوبوليتيكية المُتشكَّلة منذُ أمدٍ لدى صنّاع القرار الأتراك ومُدركاتهم الأمنية عن طبيعة النخب الحاكمة في الجزائر قد تُمثّل عائقاً أمام تركيا لتُفكر بثقةٍ في اعتبار الجزائر حليفاً إستراتيجياً محتملاً ومفيداً لمصالحها في غرب المتوسّط، شمال افريقيا والقارة السمراء عموما، حيث ينظر الأتراك لفرنسا وارتباطها مع بعض النخب الحاكمة في الجزائر باعتباره العائق الأساسي الذّي يحول دون تجسيد هكذا علاقات استراتيجية. قد يكون لهذا الأمر شيئٌ من الحقيقة فعلاً، خاصّة في المرحلة التّي سبقت الحراك الجزائري الأخير، إلاّ النظام الجزائري يعرف تغيّراً تدريجياً من الداخل (تحدّثتُ عن طبيعته في مقالات سابقة) وما يحدث اليوم داخل النظام من تغيّرات من شأنه أن يُعبّد الطريق أمام فرصة إرساء كهذا علاقات حيويّة بين البلدان في المستقبل المنظور.

إلاّ أنّ هناك عوائق أخرى لا تقلّ أهميّةً، تُشوّش على هذه الفرصة الثمينة بين البلدين، وتحول دون بناء علاقات ثقة متبادلة بينهما والرقي بها إلى مصاف العلاقات الاستراتيجية فعلاً، وأقصد هنا ما تقوم به بعض المؤسّسات الإعلامية -والبحثية- العربية (المكتوبة والمرئية) التّي تتخّذ من تركيا مقرّاً لها من نشاطاتٍ دعائية، سلبية وعدائية ضدّ الجزائر. لا ندري، هل يُدرك صنّاع القرار الأتراك حقّا طبيعة التأثير الدعائي للمحتوى الذّي تبثّه هذه المؤسّسات الاعلامية وأثره السلبي في تقويض علاقات الثقّة بين البلديْن، الإضرار بالمصالح التركية في غرب المتوسّط، شمال افريقيا وافريقيا-جنوب الصحراء، وكذا الحيلولة دون بناء قطبٍ جيوبولتيكيٍ رائدٍ في العالم الإسلامي يقود قاطرته البلَدَان نظراً لما يحظيان به من مقدرّات قوّةٍ كامنةٍ وضخمة.

تتسبّب مثل هذه المؤسّسات في تقويض صورة تركيا الحسنة في الجزائر، بين نخبها، شعبها وصنّاع القرار فيها، وتنخر بما تقوم به (خدمةً لمصالح أطرافٍ عربيةٍ أخرى أو حتّى أجنداتٍ شخصيةٍ وفئويةٍ ضيّقة) الجهود الحثيثة والموارد الضخمة التّي كرّستها تركيا -ولا تزال- في سبيل انجاح مشاريعها مع الجزائر عبر أدوات القوة الناعمة التّي تُباشرها منذ سنوات.. فقد ينخر محتوى إعلامي عربي مُضلِّل وعدائي بسيط يُبّث من الأراضي التركية سنوات كاملة من جهود وموارد الدولة التركية في بناء علاقات حيويّة مع الجزائر.

لقد وُجدت مثل هذه المؤسّسات الإعلامية في بداية الأمر نظراً لتقاطع المصالح بين تركيا وبعض جيرانها العرب في قضايا الشرق الأوسط المُعقدّة، ولا ندري لما يستغل القائمون العرب على هذه المؤسّسات منصّاتها اليوم للاضرار بالجزائر واستعدائها، وهل يُراعون -حينما يقومون بذلك- المصالح الحيويّة الاستراتيجية لتركيا في شمال افريقيا ومع بلدٍ-قارّة مُؤثّرٍ كالجزائر؟ أم أنّ هناك مصالح شخصية وفئوية ضيّقة تقف وراء ما تقوم به هذه المؤسّسات الإعلامية العربية فيما يتعلّق بالجزائر؟

لذا، حرّيٌّ بالأتراك أن يعيدوا النظر في طريقة تعاملهم مع مثل هذه المؤسّسات العربية التّي أضرّت من قبلُ أصلاً (عبر منصّاتها و"نُخبها") بالكثير من المصالح الحيويّة لتركيا في محيطها الاقليمي، وها هي اليوم تعيد الكَرّة وتتجّه شيئا فشيئاً إلى الاضرار بالمصالح التركية الحيويّة مع الجزائر والحيلولة دون إمكانية الرُقي بالعلاقات التركية-الجزائرية إلى مصاف الشراكة الاستراتيجية وهندسة قطبٍ جيوبولتيكيٍ رائدٍ في العالم الإسلامي من شأنه أن ينقذنا جميعاً من هَوْلِ عاصفة مُتجمّعة في الأفق.

جلال خشِّيبْ، باحث جزائري في حقل الجيوبولتيك والسياسة الدولية مقيمٌ باسطنبول-تركيا