
قانون مالي جديد يُعيد رسم المشهد الاقتصادي في البلاد
في خطوة اعتبرها خبراء الاقتصاد نقطة تحوّل في إدارة المالية العامة، أعلن وزير المالية، محمد يسر برنية، عبر منشور رسمي على حسابه في منصة "لينكد إن"، عن إنجاز إعداد القانون المالي الأساسي الجديد ليحل محل القانون المالي رقم 54 الصادر عام 2006.
القانون الجديد يرتكز على مجموعة من المبادئ التي تهدف إلى بناء منظومة مالية أكثر شفافية واستدامة. وأكد الوزير أن وحدة الموازنة العامة ستكون إحدى أهم ركائز القانون، حيث سيتم إدراج جميع إيرادات الدولة ونفقاتها تحت الموازنة العامة دون استثناء، بما يمنع تجزئة الحسابات أو تغييب أي موارد عن الرقابة.
كما شدد القانون على تعزيز الشفافية والرقابة، من خلال اعتماد آليات رقابة مسبقة وآنية مرافقة لعمليات الصرف، إضافة إلى الرقابة اللاحقة. وهذا يعكس رغبة صريحة في تقوية دور مؤسسات الرقابة وتكريس المسؤولية في كل مرحلة من مراحل الإنفاق.
ومن أبرز ملامح القانون الجديد أيضًا إدراج مبدأ التحيط المالي متوسط الأجل، الذي يربط الموازنة بخطط التنمية الوطنية والاجتماعية، إضافة إلى خطط الوزارات والمؤسسات المختلفة. ويهدف ذلك إلى جعل الموازنة أداة استراتيجية حقيقية لتحقيق أهداف التنمية، بدلاً من أن تكون مجرد وثيقة مالية سنوية.
وفيما يتعلق بإدارة الدين العام، فقد تم وضع ضوابط صارمة للاقتراض الداخلي والخارجي، بما يضمن عدم تراكم الديون بطريقة تهدد الاستقرار المالي، ويساهم في تحقيق الاستدامة الاقتصادية.
كما أولى القانون الجديد اهتمامًا خاصًا بـ تعزيز الكفاءة في الإنفاق، من خلال الانتقال من النموذج التقليدي القائم على البنود العامة للإنفاق، إلى ربط التمويل بتحقيق نتائج ملموسة وأهداف واضحة، وهو ما يمهد الطريق للتحول نحو "موازنة البرامج والأداء".
القانون أعاد كذلك التأكيد على استقلالية الوحدات المحلية والهيئات الوقفية، مانحًا إياها مرونة مالية مع استمرار خضوعها لإشراف وزارة المالية، وذلك لضمان توازن بين الاستقلال المحلي والرقابة المركزية.
وفي مجال المحاسبة، تم التشديد على الالتزام بمبدأ الاستحقاق وتطبيق المعايير الدولية للمحاسبة في القطاع العام، مع منح قدر من المرونة لمواجهة خصوصية بعض القطاعات. كما وسّع القانون من مبدأ المساءلة المالية، فألزم الجهات العامة بمسؤوليات محددة في التنفيذ، مع الإبقاء على سلطة الإشراف لدى وزارة المالية والأجهزة الرقابية.
ويرى محللون أن هذا القانون الجديد لا يمثل مجرد تعديل تقني، بل إصلاحًا جوهريًا يضع أسس مرحلة مالية جديدة، قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية وتعزيز ثقة المواطنين والمؤسسات في إدارة الدولة لمواردها.