تركيا تفقد أحد عمالقة البناء: Fi Yapı يعلن الإفلاس

تركيا تفقد أحد عمالقة البناء: Fi Yapı يعلن الإفلاس
تركيا تفقد أحد عمالقة البناء: Fi Yapı يعلن الإفلاس

تركيا تفقد أحد عمالقة البناء: Fi Yapı يعلن الإفلاس

شهد قطاع البناء والعقارات في تركيا تطورًا غير مسبوق في السنوات الماضية، بفضل التوسع العمراني الكبير وارتفاع الطلب على الوحدات السكنية والتجارية. لكن في تطور أثار الكثير من الجدل والقلق داخل القطاع وخارجه، أعلنت محكمة تركية إفلاس شركة Fi Yapı İnşaat AŞ، إحدى الشركات التي كانت تُعد من عمالقة البناء في البلاد، في قرار قضائي وصفه العديد من الخبراء بأنه مؤشر على التحديات المالية الكبيرة التي تواجه هذا القطاع الحيوي.

تأسست Fi Yapı في أوائل الألفية الجديدة، وأصبحت بسرعة واحدة من الأسماء الكبرى في السوق العقارية التركية، حيث تولت تنفيذ عدة مشاريع سكنية وتجارية ضخمة في مناطق مختلفة من البلاد، وارتبط اسمها بعدد من المشاريع التي كانت محط أنظار المستثمرين والمشترين على حد سواء. ومن أشهر المشاريع التي نفذتها الشركة كانت سلسلة مشاريع Fi Tower، Fi Side، Fi Life، وFi Yaka التي شهدت إقبالًا كبيرًا من المشترين الأتراك والأجانب.

قرار الإفلاس وتفاصيله


أصدرت محكمة الباكركوي الأولى للتجارة في إسطنبول قرارها بإعلان إفلاس Fi Yapı في 12 يونيو 2025، وذلك بعد أن تقدّم عدد من مالكي العقارات التي لم تُسلَّم لهم ببلاغات رسمية إلى القضاء، طالبين تنفيذ الإجراءات القانونية اللازمة ضد الشركة. وتم اتخاذ هذا القرار بعد انتهاء فترة الـ6 سنوات التي قضتها الشركة تحت إدارة Tasarruf Mevduatı Sigorta Fonu (TMSF) – صندوق حفظ الودائع والتأمين – والذي تم تعيينه في بادئ الأمر لإدارة الشركة ومحاولة إنقاذها من أزمتها المالية.

تعود بداية المشكلة إلى ضعف التدفقات المالية لدى الشركة، والتي أثرت على قدرتها على استكمال تنفيذ المشاريع والسداد للمقاولين والموردين، ما أدى إلى تراكم الديون على مدى عدة سنوات. وفي ظل استمرار العجز عن الوفاء بالالتزامات، رفع عدد من المستثمرين الذين سددوا مبالغ مالية لقاء وحدات سكنية أو تجارية دعاوى قضائية تطالب بإفلاس الشركة، قبل أن يصدر الحكم القضائي الذي أُنهي به الوضع القانوني للشركة إلى مرحلة الإفلاس.

مشاريع غير مكتملة


تشكل الوحدات السكنية والتجارية غير المسلمة من قبل الشركة عنصرًا محوريًا في الأزمة الحالية، إذ تشير التقديرات إلى أن ما يقرب من 4 آلاف وحدة لم يتم تسليمها للمشترين، رغم دفعهم لثمنها الكامل أو جزء كبير منه منذ وقت طويل. ويشمل ذلك وحدات في مشاريع شهيرة مثل Fi Tower وFi Side وغيرها، التي كانت من المشاريع الأكثر تميزًا في محفظة الشركة العقارية.

أدى هذا الوضع إلى موجة واسعة من احتجاجات الملاك، الذين عبروا عن غضبهم من التأخير وعدم وضوح الرؤية القانونية لمستقبل هذه الوحدات، وسط مخاوف من أن يتحول المشروع إلى منطقة مهجورة أو يظل قائمًا دون إكماله، ما ينعكس على قيمة الاستثمارات والسوق العقارية ككل.

آثار الإفلاس على سوق العقارات


يُنظر إلى إفلاس Fi Yapı ليس فقط كحدث منفصل، بل كجزء من موجة أكبر من التحديات الاقتصادية التي تواجه قطاع العقارات في تركيا، حيث تعاني العديد من الشركات من ضغوط مالية متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف البناء، تقلب أسعار الصرف، تراجع الطلب في بعض المناطق، وصعوبة تمويل المشاريع الكبيرة. وقد أدت هذه العوامل مجتمعة إلى زيادة عدد الشركات التي تعلن إفلاسها أو تسعى للحصول على حماية قانونية عبر إجراءات konkordato أو إعادة هيكلة ديونها.

ومن بين النتائج المباشرة لإعلان الإفلاس هو انخفاض ثقة بعض المستثمرين في السوق العقارية، وهو ما ينعكس على عمليات البيع والشراء، خاصة في المشاريع التي لم تُستكمل بعد. كما يُحتمل أن يتسبب هذا القرار في زيادة التأخير في مشروعات أخرى، ما يدفع المشترين إلى مزيد من الحذر في التعامل مع شركات البناء الكبرى.

الإدارة تحت TMSF}


منذ أن واجهت الشركة مشاكل مالية كبيرة، تم نقل إدارة Fi Yapı إلى Tasarruf Mevduatı Sigorta Fonu – مؤسسة تركية مختصة بحماية الودائع وإدارة الأصول المتعثرة – في محاولة للحفاظ على سير الأعمال وتقليل الخسائر، بالإضافة إلى حماية حقوق المشترين والمستثمرين قدر الإمكان. استمرت هذه الإدارة لمدة ست سنوات، لكن بالرغم من الجهود المبذولة، لم تتمكن المؤسسة من إعادة الشركة إلى مسار الربحية أو استكمال المشاريع المتعثرة بشكل مرضٍ.

وبعد انتهاء فترة TMSF، وتلقي طلبات قضائية من مالكي العقارات المتضررين، جاء قرار المحكمة بإعلان الإفلاس النهائي، ما يُنهي عمليًا محاولة إنقاذ الشركة ولا يترك أمامها سوى إجراءات تسوية الديون وتصفية الأصول وفق القوانين التركية المعمول بها في حالات الإفلاس.
آراء الخبراء الاقتصاديين
يرى كثير من المحللين أن إفلاس شركة بهذا الحجم يعكس مشكلات أوسع في الاقتصاد التركي، خصوصًا في قطاع العقارات الذي ظل لفترة طويلة أحد أهم قطاعات الاستثمار في البلاد. وتؤكد التقارير أن التباطؤ في النمو الاقتصادي، ارتفاع أسعار المواد الخام، الضغوط التضخمية، وتقلبات سعر صرف الليرة مقابل العملات الأجنبية، جميعها عوامل ساهمت في الضغط على الشركات التي تعتمد على تمويلات كبيرة وتدفقات نقدية معقدة.

ويرى بعض الخبراء أن الدرس المستفاد من هذه الأزمة هو أن السوق العقارية تحتاج إلى مزيد من الرقابة، التنظيم، وضوابط تقديم المشاريع الجديدة بناءً على أطر مالية واضحة، لضمان عدم تكرار مثل هذه المشاكل مستقبلًا، وحماية حقوق المستثمرين والمشترين على حد سواء.

ردود فعل المشترين والمواطنين


أعرب العديد من المشترين المتضررين عن قلقهم من مستقبل الوحدات التي دفعوا مقابلها مبالغ كبيرة، وأشاروا إلى أنهم يتطلعون إلى آليات قانونية واستحقاقات تمكنهم من الحصول على تعويضات أو فرصة لإكمال المشاريع من قبل جهات أخرى. وفي بعض الحالات، تشير المناقشات إلى احتمال تدخل شركات مقاولات أخرى أو حتى الجهات الحكومية لإيجاد حلول، لكن هذه الخطوات تتطلب وقتًا وتنسيقًا قضائيًا وإداريًا طويلًا.

انعكاسات أعمق على الاقتصاد


إفلاس شركة بهذا الحجم لا ينعكس فقط على المقاولين والمستثمرين، بل يمتد أثره إلى العمالة، الشركات المتعاقدة من الباطن، الموردين، وحتى القطاع المالي الذي قد يكون له قروض أو استثمارات مرتبطة بهذه المشاريع. ومن المتوقع أن يتم الإعلان عن تفاصيل خطة تصفية الأصول وتوزيع العائدات بين الدائنين وفقًا للقانون التركي، ما قد يستغرق شهورًا طويلة قبل أن تتضح معالمها النهائية.

ختام
تبقى قصة إفلاس Fi Yapı İnşaat AŞ واحدة من أبرز الأحداث في مشهد الاقتصاد التركي خلال العامين الماضيين، إذ تسلط الضوء على التحديات التي تواجه الشركات الكبرى في بيئة اقتصادية متغيرة، وتطرح تساؤلات حول مستقبل الاستثمار العقاري في تركيا، خصوصًا في المشاريع الكبرى والمعتمدة على تمويلات داخلية وخارجية كبيرة. وحتى الآن، لا يزال ملف مشاريع الشركة غير المكتملة مفتوحًا أمام أصحاب الدعاوى، منتظرًا أن تظهر القرارات القضائية القادمة حول كيفية التعامل مع هذه العقارات المستحقة.

مشاركة على: