إسطنبول تجذب العالم عبر الشاشة

إسطنبول تجذب العالم عبر الشاشة
إسطنبول تجذب العالم عبر الشاشة

إسطنبول تجذب العالم عبر الشاشة

شهدت مدينة إسطنبول خلال السنوات الأخيرة طفرة لافتة في نشاطات صناعة الدراما التلفزيونية والإنتاجات السينمائية، ما أسهم في تغيير خارطة السياحة الترفيهية في تركيا. ومع دخول عام 2026، بدأ يُنظر إلى هذا القطاع ليس كأداة إنتاج إعلامي فقط، بل كرافد استراتيجي هام لجذب الزوار من شتى أنحاء العالم، حيث تساهم المسلسلات التي تُصور في إسطنبول في تحويل المشاهد الإعلامية إلى رغبة واقعية في السفر والاستكشاف.

يعود هذا التوسع في تصوير المسلسلات إلى عدة عوامل، على رأسها الاهتمام المتزايد بالمحتوى التركي في الأسواق العالمية، والشراكات الجديدة بين شركات الإنتاج التركية والأجنبية، فضلاً عن تنسيق الجهات الحكومية مع القطاع الخاص لتسهيل عمليات التصوير في مواقع المدينة المتنوعة.

إقبال عالمي على الدراما التركية

في العقد الماضي، انتشرت المسلسلات التركية بسرعة في الأسواق العربية والأوروبية والآسيوية، وقد تجاوز العديد منها حاجز المشاهدة المحلي ليصبح ظاهرة جماهيرية عالمية. وقد ساهم هذا الانتشار في جعل الجمهور الأجنبي يشعر باتصال ثقافي عميق مع المواقع والأماكن التي تظهر في هذه الأعمال، وبالتالي رغبته في زيارتها على أرض الواقع.

ويشير محللون إلى أن النجاح الدرامي التركي بدأ كحركة إقليمية في البداية، لكنه سرعان ما تحول إلى صناعة مؤثرة في ثقافات المشاهدة حول العالم، بفضل القصص الإنسانية والعواطف القريبة من الجمهور، إلى جانب مناخ الإنتاج الاحترافي في تركيا.
وقد كان لظهور إسطنبول كموقع تصوير رئيسي دور كبير في ذلك؛ إذ قدّمت المدينة نفسها كساحة غنية بالمشاهد المتنوعة التي تناسب مختلف أنواع الدراما، من التاريخية إلى الرومانسية أو الاجتماعية الحديثة.

تنوع مواقع التصوير في إسطنبول

تمتاز إسطنبول بقدرتها على تمثيل العديد من العصور والبيئات المختلفة ضمن مساحة واحدة؛ فهي تجمع بين:
الأزقة العتيقة والأسواق التاريخية
المواقع البحرية على مضيق البوسفور
الأحياء العصرية والمولات الحديثة
المناطق ذات الطابع الأوروبي والشرقي في آن واحد
هذا التنوع الجغرافي جعلها الوجهة المفضلة للمخرجين والمنتجين، حيث يمكن تصوير مشاهد تعكس قروناً من التاريخ، ثم الانتقال إلى مشاهد معاصرة في دقائق معدودة.

وقد ظهرت العديد من الأماكن الشهيرة في مواقع تصوير مسلسلات تركية رائجة، مثل الشواطئ المطلة على البوسفور، وواجهات المقاهي القديمة، والأزقة الحجرية في الأحياء التاريخية، ما جعلها تلقى اهتماماً كبيراً من الزوار الباحثين عن “مشاهد الحياة الحقيقية” كما لو كانوا يشاهدونها على الشاشة.

أمثلة على المسلسلات التي أثرت على السياحة

على الرغم من أن هناك عشرات الإنتاجات التي صورت في إسطنبول، فإن بعض الأعمال تركت أثراً خاصاً في نفوس المشاهدين حول العالم. وقد ساهمت هذه الأعمال في زيادة الطلب على زيارة المدينة، لا سيما المواقع التي ظهرت فيها بشكل بارز.
من هذه الأعمال:
مسلسلات تاريخية تستعيد حقباً مختلفة من التاريخ
دراما اجتماعية تدور أحداثها في أحياء إسطنبول العريقة
أعمال رومانسية تظهر فيها اللقاءات على جسر البوسفور والمقاهي المطلة على المياه
وقد لاحظ منظمو السياحة أن الأماكن التي ظهرت في هذه المسلسلات شهدت زيادات واضحة في أعداد الزوار، خصوصاً من المتابعين الأجانب الذين يتعرفون على إسطنبول أولاً عبر الشاشة قبل أن يخططوا لزيارتها فعلياً.

مشاريع مشتركة مع الإنتاج الأجنبي

في السنوات الأخيرة، توقعت الجهات المعنية أن يكون للمحتوى التركي حضور أكبر في الإنتاجات الدولية. وقد شجّعت الحكومة التركية والمجلس الأعلى للإعلام وشركات الإنتاج المحلية على عقد شراكات مع منتجين أجانب، ما منح المشاريع المحلية طابعاً متعدد الجنسيات، وجعل إسطنبول خياراً جذاباً أيضاً للشركات العالمية التي تبحث عن مواقع تصوير مميزة.

ويؤكد صنّاع الدراما أن هذا النوع من التعاون يشكل استثماراً في “التسويق السياحي الفعّال” الذي يتجاوز الإعلانات التقليدية؛ فبدلاً من الدفع للوصول إلى جمهور عالمي من خلال حملة إعلانية، تصبح المسلسلات نفسها وسيلة تعريف بالمدينة وثقافتها وجمالها.

التأثير الاقتصادي على السياحة المحلية

أدت الزيادة في الاهتمام بالدراما التركية إلى تأثيرات واضحة على سوق السياحة في إسطنبول وباقي المدن التركية التي أُدرجت كمواقع تصوير. فقد سجّلت الفنادق زيادة في نسب الإشغال في أوقات غير الموسم التقليدي للسياحة، كما ارتفع الطلب على جولات خاصة لزيارة مواقع التصوير.

كما ظهرت شركات سياحية مختصة في تنظيم رحلات “جولات المواقع التلفزيونية” التي تأخذ الزائر إلى المواقع التي ظهرت فيها مشاهد معروفة، بالتوازي مع سرد قصة تصوير العمل وأسراره. وقد وجدت هذه الجولات إقبالاً من جمهور المشاهدين الذين يرغبون في أن يعيشوا لحظات العمل في الواقع.
ويقول ممثلون عن شركات سياحية محلية إن “السائح لا يأتي فقط لرؤية المدينة، بل ليعيش تجربة ترتبط بالعمل الفني الذي شاهده.” وهذا يضيف قيمة جديدة لسوق السياحة في تركيا، ويخلق تدفقات مالية إضافية في القطاع.

دعم حكومي وتشريعات مساعدة

تلعب الجهات الحكومية دوراً أساسياً في دعم صناعة التصوير والترويج للوجهات السياحية. فهناك تسهيلات تقدمها وزارة السياحة ووزارة الإعلام التركية تسمح بتسهيل إجراءات التصوير في المواقع العامة، بالإضافة إلى حوافز مالية تشجع المنتجين الأجانب على اختيار تركيا كموقع لتصوير أعمالهم.

كما تم تعديل بعض التشريعات لتخفيف القيود على استخدام المواقع الأثرية أو الأماكن العامة لأغراض التصوير، ما جعل عمليات الإنتاج أكثر سلاسة وأقل تكلفة مقارنة بدول أخرى.
وكانت هناك أيضاً حملات ترويجية مشتركة بين هيئة السياحة وشركات الإنتاج، تظهر لقطات من الأعمال الدرامية وهي تُعرض في المعارض الدولية للسياحة، ما يعزز الانطباع لدى المشاهدين بأن زيارة تركيا قد تكون تجربة مشابهة لما شاهده في الشاشة.

القصص الشخصية للسياح المشاهدين

بحسب استطلاعات رأي وتشخيصات ميدانية، يعترف كثير من الزوار بأنهم قرروا زيارة إسطنبول تحديداً لأنهم شاهدوها في مسلسل تلفزيوني أحبّوه. ومنهم من يقول بأنه قرر التخطيط لرحلة بعد مشاهدة مشهد غروب الشمس فوق مضيق البوسفور، أو بعد رؤية حي تاريخي في العمل الفني يودّ استكشافه بنفسه.
هذه القصص المتكررة جعلت منظمي الجولات السياحية يضيفون جولة خاصة بعنوان “من الشاشة إلى الواقع”، وهي جولة تقدم للزوار تجربة متكاملة من مشاهدة أجزاء من المسلسل في موقع تصويرها، ثم تمكينهم من التجول في نفس المكان والتقاط الصور والذكريات.

تأثير المسلسلات الأجنبية التي صورت في تركيا
لم تقتصر الاستفادة على المسلسلات التركية فقط. فقد بدأت بعض المنتجين الأجانب اختيار إسطنبول ومحيطها كموقع تصوير لأعمالهم، وذلك بسبب تنوع المواقع، والبنية التحتية التصويرية القوية، وتوافر العمالة الفنية المدربة. وهذا أسهم في زيادة الوعي العالمي بإمكانات تركيا كموقع تصوير، وبالتالي كوجهة سياحية.
وقد أدى ذلك إلى ظهور مشاريع تصوير مشتركة تستهدف جمهوراً عالمياً، ما عزز من انتشار اسم إسطنبول في محتوى تلفزيوني يُشاهَد في أسواق متعددة اللغات.

تأثير الدراما على الرسائل الثقافية

لا يقتصر التأثير على الجانب السياحي والاقتصادي فقط، بل يمتد إلى نقل صورة ثقافية عن إسطنبول وتركيا عمومًا. فالأعمال الدرامية غالباً ما تستعرض عادات وتقاليد، أطباقاً محلية، أماكن تاريخية، وأساليب حياة تعكس تنوع المجتمع التركي.

هذا النوع من “التعريف الثقافي” يخلق نوعاً من الإحساس لدى الجمهور بأنه يعرف المكان قبل زيارته، مما يعزز من شعور الارتباط ويحفّز الرغبة في السفر.

مستقبل صناعة التصوير والسياحة
يتوقع المختصون استمرار النمو في هذا المجال خلال السنوات القادمة، مع توسّع أعداد الأعمال التي تُنتَج في تركيا، وزيادة الشراكات الدولية، فضلاً عن التطورات في التقنيات الرقمية مثل التصوير الثلاثي الأبعاد والواقع الافتراضي الذي يمكن أن يضيف بعداً جديداً للتجربة السياحية.

وقد بدأت بعض المنصات الرقمية الكبرى في إدراج جولات افتراضية للمواقع التي ظهرت في المسلسلات، مما يقدم للزائر تجربة مسبقة قبل الحضور الفعلي، ويعزز من قرار السفر.

مشاركة على: