إلغاء حظر نقل العمال الدائمين في تركيا

إلغاء حظر نقل العمال الدائمين في تركيا
إلغاء حظر نقل العمال الدائمين في تركيا

إلغاء حظر نقل العمال الدائمين في تركيا

في قرار قضائي مهم قد ينعكس على أوضاع آلاف العاملين في المؤسسات العامة، قضت المحكمة الدستورية التركية بإلغاء الحظر المفروض على نقل العمال الذين تم تحويلهم إلى العمالة الدائمة في المؤسسات الحكومية، معتبرة أن هذا الحظر يتعارض مع مبادئ الدستور المتعلقة بحماية العمال وتحقيق التوازن في علاقات العمل.

وجاء القرار بعد مراجعة دستورية لنص قانوني كان يمنع العمال الذين انتقلوا إلى نظام العمالة الدائمة من الانتقال أو التعيين في وحدات أو مؤسسات أخرى غير تلك التي يعملون فيها حاليًا. وقد خلصت المحكمة إلى أن هذا القيد يحد من حقوق العمال ويمنعهم من تقديم طلبات نقل لأسباب قد تكون مشروعة، مثل الظروف العائلية أو الصحية أو المهنية.

خلفية القضية

تعود القضية إلى دعوى قضائية رفعها أحد العمال الذين تم تحويلهم إلى نظام العمالة الدائمة في مؤسسة عامة، بعدما رفضت الجهة التي يعمل بها طلبه بالانتقال إلى موقع آخر داخل المؤسسة أو إلى وحدة مختلفة.

وبعد أن رفضت المحكمة المختصة طلب العامل في المرحلة الأولى، تم استئناف الحكم أمام محكمة النقض التركية (الدائرة التاسعة)، التي رأت بدورها أن النص القانوني الذي يمنع النقل قد يتعارض مع الدستور.

ولهذا السبب قررت المحكمة إحالة القضية إلى المحكمة الدستورية التركية للنظر في مدى دستورية النص القانوني الذي يقيّد حق العمال في طلب النقل.

النص القانوني محل الطعن


النص القانوني الذي كان محل الطعن يعود إلى المرسوم بقانون رقم 375 الصادر عام 1989، والذي تم تعديله لاحقًا بموجب القانون رقم 7079 الصادر عام 2018.

وقد أضيف إلى هذا المرسوم نص ينص على أن العمال الذين يتم تحويلهم إلى العمالة الدائمة يجب أن يعملوا في “الهيئة أو الوحدة التي يعملون فيها”، وهو ما يعني عمليًا عدم إمكانية نقلهم إلى وحدات أخرى داخل المؤسسة أو إلى مؤسسات مختلفة.
هذا النص كان يقيّد إمكانية انتقال العمال بين المؤسسات الحكومية أو حتى داخل المؤسسة نفسها، وهو ما أثار انتقادات قانونية ونقابية منذ سنوات.

قرار المحكمة الدستورية


بعد دراسة الملف والاطلاع على الحجج القانونية المقدمة، قررت المحكمة الدستورية أن النص الذي يتضمن عبارة “في المؤسسة أو الوحدة التي يعملون فيها” يتعارض مع الدستور، وبالتالي يجب إلغاؤه.

ورأت المحكمة أن هذا القيد يمنع العمال من تقديم طلبات نقل حتى في الحالات التي قد تكون فيها الأسباب مشروعة أو ضرورية، وهو ما يتعارض مع مبادئ العدالة في علاقات العمل.

كما أكدت المحكمة أن الدولة تتحمل مسؤولية دستورية في حماية العمال وضمان توازن العلاقة بين العامل وصاحب العمل، وأن فرض قيود مطلقة على انتقال العمال قد يتعارض مع هذه المسؤولية.

تنفيذ القرار بعد تسعة أشهر
ورغم صدور الحكم بإلغاء النص القانوني، قررت المحكمة أن يدخل قرار الإلغاء حيز التنفيذ بعد تسعة أشهر من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.

ويهدف هذا التأجيل إلى منح الجهات الحكومية

والمؤسسات العامة الوقت الكافي لتعديل اللوائح والأنظمة الداخلية بما يتوافق مع القرار الجديد.
كما يتيح هذا الإطار الزمني للمشرعين إعادة تنظيم قواعد النقل أو إصدار تشريعات جديدة تنظم هذه المسألة بطريقة لا تتعارض مع الدستور.

مبررات المحكمة
في حيثيات الحكم، أوضحت المحكمة أن الدستور التركي يفرض على الدولة التزامات إيجابية لحماية العمال وضمان حقوقهم.

وأشارت المحكمة إلى أن المادة 49 من الدستور التركي تنص على أن الدولة مسؤولة عن اتخاذ التدابير اللازمة لحماية العمال وتحسين ظروف العمل.

كما أكدت المحكمة أن العامل يُعد الطرف الأضعف في عقد العمل، ولذلك يجب أن تضمن القوانين وجود توازن عادل بين العامل وصاحب العمل.
وبحسب القرار، فإن منع العمال بشكل مطلق من طلب النقل لا ينسجم مع هذه المبادئ، خاصة إذا كانت هناك أسباب معقولة تستدعي تغيير مكان العمل.

تقييم طلبات النقل
أوضحت المحكمة أيضًا أن طلبات النقل التي يقدمها العمال يجب أن يتم تقييمها في إطار سلطة الإدارة أو صاحب العمل في إدارة العمل، لكن مع مراعاة حقوق العمال والظروف الخاصة التي قد تدفعهم إلى طلب النقل.
كما شددت المحكمة على أن القرارات المتعلقة برفض أو قبول طلبات النقل يجب أن تكون قابلة للمراجعة القضائية، بحيث يمكن للعمال اللجوء إلى القضاء إذا اعتبروا أن القرار الصادر بحقهم غير عادل.

وبذلك فإن الحكم لا يعني بالضرورة الموافقة التلقائية على جميع طلبات النقل، بل يضمن فقط أن يتم تقييم هذه الطلبات وفق معايير قانونية عادلة.

تأثير القرار على العمال
يتوقع خبراء قانونيون أن يؤثر هذا القرار على آلاف العمال الذين تم تحويلهم إلى نظام العمالة الدائمة في المؤسسات الحكومية خلال السنوات الماضية.

ففي عام 2018، قامت الحكومة التركية بتحويل أعداد كبيرة من العمال الذين كانوا يعملون ضمن نظام المقاولات أو الخدمات المؤقتة إلى العمالة الدائمة في المؤسسات العامة.

لكن هذا التحول كان مصحوبًا بقيود قانونية، من بينها منع هؤلاء العمال من الانتقال إلى مؤسسات أو وحدات أخرى.
ومع صدور قرار المحكمة الدستورية، قد يصبح بإمكان هؤلاء العمال التقدم بطلبات نقل في المستقبل وفق الشروط القانونية التي سيتم تحديدها لاحقًا.

ردود فعل قانونية

رحب عدد من الخبراء القانونيين بقرار المحكمة، معتبرين أنه يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز حقوق العمال في تركيا.

وأشار بعض المختصين إلى أن القرار ينسجم مع المبادئ العامة للقانون، التي تقضي بعدم فرض قيود مطلقة على حقوق العامل دون مبرر قوي.
كما أكدوا أن الحكم يعزز دور القضاء في حماية الحقوق الأساسية وضمان عدم تعارض التشريعات مع الدستور.

التوازن بين الإدارة وحقوق العمال

من جهة أخرى، يرى بعض الخبراء أن التحدي الرئيسي بعد هذا القرار سيكون تحقيق التوازن بين احتياجات المؤسسات الحكومية وحقوق العمال.

فالمؤسسات تحتاج في بعض الأحيان إلى الحفاظ على استقرار القوى العاملة لديها لضمان استمرار الخدمات وعدم حدوث نقص في بعض الوظائف.

وفي الوقت نفسه، يجب احترام حقوق العمال في طلب النقل لأسباب شخصية أو عائلية أو صحية.

ولهذا السبب، قد تعمل الجهات التشريعية في تركيا على وضع نظام جديد ينظم طلبات النقل بطريقة تحقق التوازن بين الطرفين.
احتمالات التعديلات القانونية
مع دخول قرار المحكمة الدستورية حيز التنفيذ بعد تسعة أشهر، من المتوقع أن تبدأ الجهات الحكومية في دراسة كيفية تطبيق الحكم عمليًا.

وقد تشمل الخطوات المحتملة:
تعديل اللوائح الداخلية للمؤسسات العامة
وضع قواعد واضحة لتنظيم طلبات النقل
تحديد شروط ومعايير تقييم الطلبات
إنشاء آليات لضمان الشفافية في اتخاذ القرارات
كما قد يتم إصدار تشريعات جديدة لتوضيح الإجراءات المتعلقة بنقل العمال الدائمين بين المؤسسات أو الوحدات المختلفة.

أهمية القرار في النظام القانوني

يمثل قرار المحكمة الدستورية مثالًا على دور القضاء في مراجعة القوانين والتأكد من توافقها مع الدستور.

ففي النظام القانوني التركي، تملك المحكمة الدستورية صلاحية إلغاء النصوص القانونية إذا تبين أنها تتعارض مع أحكام الدستور أو المبادئ الأساسية للحقوق والحريات.
وهذا الدور يعد جزءًا من منظومة الرقابة الدستورية التي تهدف إلى ضمان أن تكون القوانين متوافقة مع المبادئ الدستورية.

ختام
قضت المحكمة الدستورية في تركيا بإلغاء النص القانوني الذي كان يمنع العمال الذين تم تحويلهم إلى العمالة الدائمة في المؤسسات الحكومية من طلب النقل إلى وحدات أو مؤسسات أخرى.
واعتبرت المحكمة أن هذا الحظر يتعارض مع الدستور لأنه يمنع العمال من تقديم طلبات نقل حتى في الحالات التي تكون فيها الأسباب مشروعة.

ومن المقرر أن يدخل قرار الإلغاء حيز التنفيذ بعد تسعة أشهر من نشره في الجريدة الرسمية، ما يمنح الجهات الحكومية الوقت الكافي لإجراء التعديلات القانونية والإدارية اللازمة.

ومن المتوقع أن يكون لهذا القرار تأثير واسع على أوضاع العمال في المؤسسات العامة، حيث قد يفتح الباب أمام إمكانية النقل الوظيفي للعمال الدائمين وفق قواعد قانونية جديدة في المستقبل.

مشاركة على: