خبر: ليست حرباً على النووي: واشنطن تسعى لتحييد «ورقة هرمز» وإعادة رسم خريطة ممرات النفط العالمية
تحوّلت أزمة الأمن في الخليج ومضيق هرمز عقب العمليات العسكرية الأمريكية الأخيرة ضد إيران إلى الملف الأبرز في أسواق الطاقة العالمية. وبينما تبدو الهجمات المتبادلة استمراراً للتوتر العسكري بين البلدين، تقرأ الأوساط الدبلوماسية ما يجري بوصفه جزءاً من صراع استراتيجي أكبر بكثير: مستقبل المسارات التي ستسلكها تجارة النفط العالمية.
فبعد التفاهم الذي جرى التوصل إليه بين إيران والولايات المتحدة، كان متوقعاً أن ينخفض التوتر، لكن الهجمات المتبادلة عادت مجدداً. وبالنظر إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الإيرانية والخسائر العسكرية، يرى الخبراء أن ما يجري ليس «تبادل نيران» عشوائياً، بل مرحلة صراع جديدة تُدار بشكل محكوم ومحدود، ما يكشف استمرار انعدام الثقة العميق بين الطرفين وضبابية مستقبل المسار الدبلوماسي.
وأبرز ما يلفت خبراء الأمن الدولي إليه هو التحول في الاستراتيجية الأمريكية: فالأولوية اليوم بالنسبة لواشنطن ليست تغيير النظام في إيران ولا خوض حرب شاملة، بل إضعاف أقوى ورقة مساومة احتفظت بها طهران لعقود — مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية، والذي استخدمته إيران دوماً كعنصر ضغط أمني ودبلوماسي.
في المقابل، تنظر طهران إلى المشهد من زاوية معاكسة تماماً: فإجراءاتها في هرمز ليست في نظرها ضغطاً مخالفاً للقانون الدولي، بل امتداد طبيعي لأمنها القومي. ويرى المسؤولون الإيرانيون أن واشنطن وحلفاءها يحاولون بناء نظام أمني جديد في المضيق يتجاهل مصالح إيران، ولذلك فإن تدخلاتها المتقطعة بحق السفن التجارية تحمل رسالة سياسية وعسكرية واضحة: «لا يمكن إقامة نظام في هرمز من دون إيران».
وعند هذه النقطة تحديداً، أعادت دول الخليج إحياء مشاريع طاقة ظلت على الرفوف لسنوات: فالسعودية تدرس رفع طاقة خط الأنابيب «شرق-غرب» الذي يربط حقولها الشرقية بميناء ينبع على البحر الأحمر، بينما تستطيع الإمارات أصلاً — بفضل خط حبشان-الفجيرة الذي دشنته قبل سنوات — إيصال جزء من نفطها إلى بحر عُمان دون المرور بهرمز، فيما يعيد العراق طرح خيارات تصدير جديدة نحو البحر المتوسط عبر تركيا وسوريا.
ولا تقتصر التحركات الأمريكية على العمليات العسكرية، إذ تُقرأ المبادرات الدبلوماسية والاقتصادية بوصفها أجزاء من الاستراتيجية ذاتها: إنشاء مسارات ملاحية جديدة في الخليج، وتنويع خطوط نقل الطاقة، وتطوير ممرات بديلة لمضيق هرمز — بهدف تحييد الميزة الاستراتيجية الأهم لإيران في المنطقة تدريجياً، وإضعاف أقوى أوراقها قبل جلوسها إلى طاولة التفاوض.
ويخلص المحللون إلى أن ما يجري قد يكون بداية حقبة طويلة يُعاد فيها تشكيل ممرات الطاقة في الشرق الأوسط، حيث لم تعد المسألة إنتاج النفط فحسب، بل إيصاله بأمان إلى الأسواق العالمية — لتصبح خطوط نقل الطاقة اليوم أصولاً استراتيجية لا تقل أهمية عن القواعد العسكرية.