تركيا تُبقي الفائدة عند 37% وتقليص خفضها وسط مخاوف التضخم

تركيا تُبقي الفائدة عند 37% وتقليص خفضها وسط مخاوف التضخم
تركيا تُبقي الفائدة عند 37% وتقليص خفضها وسط مخاوف التضخم

تركيا تُبقي الفائدة عند 37% وتقليص خفضها وسط مخاوف التضخم

شهدت تركيا في 22 يناير 2026 خطوة مهمة في السياسة النقدية، تمثلت في خفض سعر الفائدة الرئيسي إلى 37%، وهو انخفاض أقل من توقعات الأسواق والمحللين، في مؤشر على استمرار الحذر لدى صانعي السياسة تجاه ملف التضخم وتحديات الاقتصاد الكلي. القرار جاء بعد دراسة دقيقة للمعطيات الاقتصادية، وخاصة المتعلقة بتراجع التضخم لكنه لا يزال مرتفعًا، وتأثيرات الفائدة على القطاعات الانتاجية والمالية.


سياسة نقدية حذرة في ظل تحديات الاقتصاد


البنك المركزي التركي قرر خفض سعر الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس في أول اجتماع لمجلس السياسة النقدية خلال عام 2026. القرار كان متوقعًا بشكل عام، لكن الأسواق كانت تتوقع تخفيضًا أعنف يصل إلى 150 نقطة أساس، وهو ما لم يحدث، ما يشير إلى أن صانعي السياسة النقدية لا يزالون متحفّظين في مواجهة مخاطر التضخم المستمر وتأثيراته على القوة الشرائية.
وفق بيانات رسمية وردت قبل أسبوع من القرار، بلغ معدل التضخم السنوي في تركيا حوالي 30.9% في ديسمبر 2025، وهو رقم أقل من مستويات سابقة لكنه لا يزال أعلى بكثير من المستويات المستهدفة. هذا الوضع جعل البنك يتخذ قرارًا معتدلًا في خفض الفائدة، وهو ما يهدف للحفاظ على التوازن بين دعم النمو الاقتصادي والسيطرة على مستويات الأسعار.


أسباب القرار: التضخم مقابل النمو


تحليل قرار البنك المركزي يكشف أن هناك ثلاثة عوامل رئيسية أثّرت في مستوى التخفيض:
التضخم لا يزال مرتفعًا
رغم التراجع النسبي في المعدل السنوي للتضخم، إلا أن الضغوط السعرية لا تزال موجودة، خصوصًا في سلع أساسية مثل الغذاء والطاقة. ارتفاع هذه الأصناف يؤثر بشكل مباشر على الأسر ذوي الدخول المتوسطة والمنخفضة، ويشكل عبئًا على السياسات النقدية التي تسعى للسيطرة على الأسعار دون إيقاف النمو الاقتصادي.


السلوك التسعيري في الاقتصاد


ذكر البنك المركزي في بيان رسمي أن السلوك التسعيري وحماية هوامش الربح لدى بعض الشركات قد يكونان من العوامل التي تبقي الضغوط التضخمية حاضرة، ما استدعى اتخاذ خطوة مخفّضة أقل من توقعات السوق. هذا السلوك يخلق مقاومة تراجع الأسعار حتى عندما تتراجع بعض مكونات التضخم.


التأثير القطاعي للفائدة


اشتكى رجال أعمال وممثلون عن المؤسسات الصناعية أن ارتفاع معدلات الفائدة لفترات طويلة قبل التخفيض كان له أثر سلبي على القطاعات الإنتاجية والتصديرية. ارتفاع كلفة التمويل يضع ضغوطًا إضافية على الشركات التي تعتمد على القروض لتوسيع الإنتاج أو تسيير الأعمال اليومية.


ردود الفعل الرسمية والمحللين


بعد صدور القرار، صرّح أعضاء في لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي بأن الهدف من هذا التخفيض هو تحقيق توازن دقيق بين دعم النشاط الاقتصادي والسيطرة على التضخم، مؤكدين أن الأمور تحت المتابعة، وأن قرارات مستقبلية ستأخذ بيانات جديدة في الاعتبار.
من جهة أخرى، أعرب محللون اقتصاديون عن ترحيبهم بتخفيض الفائدة، لكنهم أشاروا إلى أن وتيرة التخفيض كانت أقل من التوقعات، وهو ما يعكس حذرًا في مواجهة التطورات الاقتصادية. وأكد بعضهم أن الأوضاع الاقتصادية في تركيا لا تزال في حاجة إلى سياسات نقدية متوازنة حتى لا تتراجع القوة الشرائية للمواطنين.


تأثير القرار على الأسواق والاقتصاد الوطني


أ. على التضخم وأسعار المستهلكين
خفض الفائدة من المتوقع أن يؤثر على سلوك الأسعار، لكن التأثير الفعلي قد يحتاج وقتًا للظهور. بينما يحاول البنك المركزي دعم النمو، يبقى ملف التضخم حساسًا، لأن خفض الفائدة بسرعة كبيرة قد يعيد رفع مستويات الأسعار، خصوصًا في قطاع السلع غير الأساسية.
وقد لوحظ بالفعل بعض الارتباك في الأسواق المالية عقب الإعلان، حيث ارتفعت بعض مؤشرات الأسهم المحلية مؤقتًا مع تراجع قيمة الليرة التركية مقابل العملات الأجنبية. هذا التفاعل يشير إلى أن الأسواق استقبلت القرار بشكل حذر، إذ يرى المستثمرون أن التضخم المستمر يمكن أن يؤثر على عوائد الاستثمار والثقة في السياسات النقدية.
ب. على النمو الاقتصادي والاستثمار
إحدى النتائج المتوقعة من خفض سعر الفائدة هو تسريع وتيرة الاقتراض المحلي، ما يمنح الشركات خصوصًا الصغيرة والمتوسطة فرصة أكبر للحصول على تمويل بتكلفة أقل، وبالتالي توسيع الإنتاج وتدفق العمالة. ومع ذلك، فإن هذا السيناريو يرتبط ارتباطًا وثيقًا بسرعة استجابة الاقتصاد لتغيرات الفائدة، وهو أمر يحتاج إلى وقت لرصده في مؤشرات الناتج المحلي الإجمالي والاستثمار الأجنبي.
أما بالنسبة للمستثمرين الأجانب، فإن تخفيض الفائدة يمكن أن يجعل الأسواق التركية أكثر جاذبية في بعض القطاعات مثل العقارات والبناء، إلا أن مخاطر التضخم وعدم الاستقرار النسبي في سعر الصرف تبقى من العوامل المؤثرة على قراراتهم الاستثمارية.


آثار القرار على سوق العقارات والادخار


خفض سعر الفائدة عادةً ما يجعل القروض العقارية أكثر جاذبية للأفراد، وهو ما قد ينعش سوق العقارات في تركيا على المدى المتوسط. ارتفاع الإقبال على التمويل العقاري يمكن أن يؤدي إلى زيادة النشاط في قطاع البناء والاستثمار العقاري، لكن هذا الارتفاع يتطلب أيضًا بيئة مستقرة من حيث الأسعار وسوق العمل.
في المقابل، قد يقلّل خفض الفائدة من العائد على الودائع المصرفية، ما يدفع بعض الأفراد إلى البحث عن أدوات استثمار بديلة، مثل الأسهم أو الذهب أو العقارات، ما يخلق ديناميكية جديدة في سلوك الادخار والاستثمار لدى الأسر التركية.


توقعات السياسة النقدية خلال 2026


بحسب استطلاعات رأي تجمع محللين اقتصاديين، من المتوقع أن يستمر البنك المركزي التركي في خفض سعر الفائدة بتدرّج محسوب عبر العام 2026، لكن بوتيرة أبطأ مقارنة بالسنوات السابقة، بهدف استقرار الأسعار دون التضحية بدعم النمو الاقتصادي. بعض التقديرات تشير إلى أن السعر قد يصل إلى ما بين 25% و28% بحلول نهاية العام إذا استمر مسار التضخم في التراجع التدريجي.
كما يرى بعض الخبراء أن البنك قد يعتمد بشكل أكبر على أدوات غير التقليدية مثل التوجيهات الإرشادية للسلوك التسعيري، والمراقبة الدقيقة لسلاسل التوريد، بهدف خفض الضغط التضخمي دون الحاجة إلى تغييرات كبيرة في سعر الفائدة فقط.


الثقة الدولية في الاقتصاد التركي


في تطور آخر مهم مرتبط بالسياسة النقدية، رفعت وكالة فيتش للتصنيفات الائتمانية النظرة المستقبلية للاقتصاد التركي من “مستقرة” إلى “إيجابية”، في مؤشر يرى المستثمرون أنه يعكس تحسنًا في احتياطيات النقد الأجنبي والسياسات الاقتصادية بصورة عامة.
رفع النظرة المستقبلية جاء رغم استمرار المخاطر، لكنه يشير إلى أن الجهات الدولية المتخصّصة ترى بوادر تعافٍ بطيء في المتغيرات الاقتصادية الأساسية، وهو ما قد يدعم التدفق الاستثماري الأجنبي ويعزز الثقة في الأسواق التركية على المدى الطويل.


نهاية الخبر
قرار خفض سعر الفائدة إلى 37% جاء في سياق سياسة نقدية متوازنة وحذرة تهدف إلى دعم النمو الاقتصادي دون إحداث صدمة تضخمية جديدة، ويعكس مخاوف البنك المركزي من أن تراجع الأسعار سريعًا قد يقود إلى آثار سلبية. ومع استمرار مراقبة تطورات التضخم وأسعار السلع والخدمات، من المتوقع أن يستمر البنك في تعديل سياسته خلال 2026 بوتيرة محسوبة، في حين يبقى ملف الثقة الاستثمارية والتوقعات الدولية من العوامل المهمة التي تؤثر على مسار الاقتصاد التركي.

مشاركة على: